محمد بيومي مهران
56
دراسات تاريخية من القرآن الكريم
( اللّه ) هنا - إنما يتخذ قراره ! إذ يرى الأرض قد فسدت جميعا . . . كل من وما عليها من حي » « 1 » . والأمر كذلك بالنسبة إلى مصدر الطوفان ، فبينما يعزوه النص اليهوي إلى مطر عارم يتهاطل على الأرض أربعين يوما بلياليها دون انقطاع « 2 » ، يعزوه النص الكهنوتي ليس إلى المطر وحده ، وإنما تنفجر أيضا ينابيع الغمر العظيم من أسفل كما من فوق ، فكأن قد انهار « الجلد » الذي نصبه الإله عند بدء الخليقة فاصلا بين المياه السفلية والتي في السماء ، كما تحدثنا التوراة « 3 » . ثم إن هناك اختلافا جوهريا آخر بين الكاتبين يتعلق بدوام مدة الطوفان ، فقد ظلت الأمطار تهطل في قصة الكاتب اليهوي مدة أربعين يوما وأربعين ليلة « 4 » ، ثم ظل نوح في فلكه بعد ذلك مدة ثلاثة أسابيع قبل أن ينحسر الماء بمقدار يمكنه من الرسو بسفينته ، ووفقا لهذا الحساب فإن الفيضان يكون قد دام واحدا وستين يوما ، أما في الحكاية الكهنوتية فقد أخذ الطوفان يهطل مدة مائة وخمسين يوما « 5 » ، وبعده أخذت المياه في الانخفاض ، أما مدة الطوفان في العموم فقد استغرقت اثني عشر شهرا وعشرة أيام ، وحيث إن الشهور العبرية كانت شهورا قمرية ، فإن الاثني عشر تقدر بثلاثمائة وأربعة وخمسين يوما ، وإذا أضفنا إلى هذا الرقم عشرة أيام أخرى ، فإن المدة تكون حينئذ سنة شمسية كاملة ، أي ثلاثمائة وأربعة وستين يوما ، وحيث إن الكاتب الكهنوتي قد حسب مدة الفيضان بما يساوي سنة شمسية ، فإنه يمكننا أن ندعي - ونحن مطمئنون - أن هذا الكاتب قد عاش في الزمن الذي استطاع فيه اليهود أن يصححوا الخطأ الكبير في التقويم القمري عن طريق مراقبتهم للشمس « 6 » . وأخيرا فإن الكاتب اليهوي - كما يقول جيمس فريزر « 7 » - عن بناء نوح للهيكل
--> ( 1 ) تكوين 6 : 11 - 13 وكذلك : حسين ذو الفقار : المرجع السابق ص 11 . ( 2 ) تكوين 7 : 4 ، 12 . ( 3 ) تكوين 1 : 6 - 7 وكذلك حسين ذو الفقار : المرجع السابق ص 11 . ( 4 ) تكوين 7 : 5 ، 13 ، 17 . ( 5 ) تكوين 7 : 24 ، 8 : 3 . ( 6 ) جيمس فريزر : المرجع السابق ص 112 . ( 7 ) نفس المرجع السابق ص 113 .